ابن أبي الحديد

218

شرح نهج البلاغة

عن الصراط ! ) ، فرفعت يدي من الحيس ، فقلت : أعوذ بالله وبرسوله من ذلك ، ثم ضرب على ظهرك ، وقال : ( إياك أن تكونيها ) ، ثم قال : ( يا بنت أبي أمية إياك أن تكونيها يا حميراء ، أما أنا فقد أنذرتك ) ، قالت عائشة : نعم ، أذكر هذا . قالت : وإذ كرك أيضا كنت أنا وأنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر له ، وكان على يتعاهد نعلي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيخصفها ( 1 ) ، ويتعاهد أثوابه فيغسلها ، فنقبت ( 2 ) له نعل ، فأخذها يومئذ يخصفها ، وقعد في ظل سمرة ، وجاء أبوك ومعه عمر ، فاستأذنا عليه ، فقمنا إلى الحجاب ، ودخلا يحادثانه فيما أراد ، ثم قالا : يا رسول الله ، إنا لا ندري قدر ما تصحبنا ، فلو أعلمتنا من يستخلف علينا ، ليكون لنا بعدك مفزعا ؟ فقال لهما : أما إني قد أرى مكانه ، ولو فعلت لتفرقتم عنه ، كما تفرقت بنو إسرائيل عن هارون بن عمران ، فسكتا ثم خرجا ، فلما خرجنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قلت له ، وكنت أجرا عليه منا : من كنت يا رسول الله مستخلفا عليهم ؟ فقال : خاصف النعل ، فنظرنا فلم نر أحدا إلا عليا ، فقلت : يا رسول الله ، ما أرى إلا عليا فقال هو ذاك ، فقالت عائشة : نعم ، أذكر ذلك ، فقالت : فأي خروج تخرجين بعد هذا ؟ فقالت : إنما أخرج للاصلاح بين الناس وأرجو فيه الاجر إن شاء الله ، فقالت : أنت ورأيك . فانصرفت عائشة عنها ، وكتبت أم سلمة بما قالت وقيل لها إلى علي عليه السلام . فإن قلت : فهذا نص صريح في إمامة علي عليه السلام ، فما تصنع أنت وأصحابك المعتزلة به ؟ قلت : كلا إنه ليس بنص كما ظننت ، لأنه صلى الله عليه وآله لم يقل : قد استخلفته ، وإنما قال : ( لو قد استخلفت أحدا لاستخلفته ) وذلك لا يقتضى حصول الاستخلاف ،

--> ( 1 ) خصف النعل : حرزها . ( 2 ) نقبت النقل : ثقبت .